محمد بن سلام الجمحي
مقدمة المحقق 117
طبقات فحول الشعراء
ولكني أعتدى » ، يعنى لا أبتدى بالهجاء ، بل أجازى العدوان بالانتصاف بالحق من المعتدى ، وهذا هو معنى قول الفند الزّمّانىّ : فلما صرّح الشّرّ فأمسى وهو عريان ولم يبق سوى العدوان ، دنّاهم كما دانوا وقبل كلّ شيء ، فأنا لم أبلغ يوما ما من السّذاجة والغفلة وطيب النفس ، مبلغا يحملني على أن أعتقد ، مغرورا بما أعتقد ، أنّ فتى أعجميا ، غريب الوجه واليد واللّسان عن العربية ، يدخل في العشرين أو الخامسة والعشرين من عمره ، قسم « اللغات الشرقية » في جامعة من جامعات الأعاجم ، فيبتدئ تعلم ألف ، باء ، تاء ، ثاء ، أو أبجد هوّز ، في العربية ، ويتلقّى العربية نحوها وصرفها وبلاغتها وشعرها وسائر آدابها وتواريخها ، عن أعجمىّ مثله ، وبلسان غير عربىّ ، ثم يستمع إلى محاضر في آداب العرب أو أشعارها أو تاريخها أو دينها أو سياستها بلسان غير عربىّ ، ويقضى في ذلك بضع سنوات قلائل ، ثم يتخرّج لنا مستشرقا ( في اللسان العربي والتاريخ العربي والدين العربىّ ) ، ندين له نحن العرب بالطاعة ولم أبلغ من السذاجة أن أعتقد أن هذا ممكن ، وإن كنت أعلم علم اليقين أنّ كثيرا من أهل جلدتنا اليوم قد دانوا بذلك ، وجعلوا الأمر ممكنا كل الإمكان ! بل أقول أيضا ، أن لو نشأ ناشئ الفتيان منّا على حبّ عربيته ، وعلى توقير تاريخه ، وعلى الالتزام بمعرفة أمّته ، وعلى الشموخ بنفسه عن الدنايا المذلّة ، والخضوع المهين للسادة ، وعلى حبّ الإتقان للعمل ، وكان ذلك نهج مدارسنا وجامعاتنا وصحافتنا وكتبتا وبيوتنا منذ يولد المولود فينا ، كما هو نهج كلّ